محمد الأمين الأرمي العلوي

18

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

أهل التأويل قال : الحكم أكمل من الحاكم ؛ لأن الحكم لا يحكم إلا بالحق ، والحاكم قد يجور ، ولأن الحكم من تكرر منه الحكم ، والحاكم يصدق بمرة . والمعنى : ليس « 1 » لي أن أتعدى حكم اللّه تعالى ، ولا أن أتجاوزه ؛ لأنه لا حكم أعدل من حكمه ، ولا قائل أصدق منه ، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا فيه كل ما يصح به الحكم ، وإنزاله مشتملا على الحكم التفصيلي للعقائد والشرائع وغيرهما على لسان رجل منكم أمي مثلكم . . هو أكبر دليل وأظهر آية على أنه من عند اللّه لا من عنده ، كما جاء في قوله : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ ؛ أي : جاوزت الأربعين ، ولم يصدر عني مثله في علومه ، ولا في إخباره الغيب ، ولا في فصاحته وبلاغته . والخلاصة : أنكم تتحكمون في طلب المعجزات ؛ لأن الدليل على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم قد حصل بوجهين : 1 - أنه أنزل إليكم الكتاب المفصل المشتمل على علوم كثيرة بأسلوب عجز الخلق عن معارضته ، فيكون هذا دليلا على أن اللّه تعالى قد حكم بنبوته . 2 - ما سيذكره بعد من أن التوراة والإنجيل تشتملان على الآيات الدالة على أنه صلى اللّه عليه وسلم حق ، وأن القرآن كتاب حق من عند اللّه تعالى ، ثم ذكر ما يؤكد ما سبق ، فقال : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ؛ أي : وأهل الكتاب الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل والزبور يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ؛ أي : أن هذا القرآن مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ حالة كونه متلبسا بِالْحَقِّ والصدق الذي لا شك فيه ولا شبهة ، والمراد بهم علماء أهل الكتاب ، فهو عام بمعنى الخصوص . قرأ ابن عباس وابن عامر وحفص « 2 » : مُنَزَّلٌ - بتشديد الزاي - والباقون بسكون النون . فَلا تَكُونَنَّ يا محمد ، أو أيها المخاطب مِنَ الْمُمْتَرِينَ ؛ أي : من الشاكين في أن علماء أهل الكتاب يعلمون أن هذا القرآن حق ، وأنه منزل من

--> ( 1 ) المراغي . ( 2 ) البحر المحيط .